فصل: سنة تسع وخمسين وخمسمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء **


 العاضد لدين الله

أبو محمد عبد الله بن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد ولد يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة وبويع عند انتقال الفائز يوم الجمعة قبل الصلاة لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة وعمره يومئذ تسع سنين وستة أشهر وسبعة أيام‏.‏

وذلك أنه لما مات الخليفة الفائز ركب الصالح بن رزيك إلى القصر بثياب الحزن واستدعى زمام القصر وسأله عمن يصلح في القصر للخلافة فقال‏:‏ ههنا جماعة‏.‏

فقال‏:‏ عرفني بأكبرهم‏.‏

فسمى له واحداً فأمر بإحضاره‏.‏

فتقدم إليه أمير يقال له على ابن مزيد وقال له سراً‏:‏ لا يكن عباس أحزم منك رأياً حيث اختار الصغير وترك الكبير واستبد بالأمر‏.‏

فمال إلى قوله وقال للزمام‏:‏ أريد منك صغيراً‏.‏

فقال‏:‏ عندي ولد الأمير يوسف بن الحافظ واسمه عبد الله وهو دون البلوغ‏.‏

فقال‏:‏ علي به‏.‏

فأحضر إليه بعمامة لطيف وثوب مفرط وهو مثل الوحش أسمر كبير العينين عريض الحاجبين أخنس الأنف منتشر المنخرين كبير الشفتين‏.‏

فأجلسه الصالح في البادهنج وكان عمره إحدى عشرة سنة‏.‏

ثم أمر صاحب خزانة الكسوة أن يحضر بذلة ساذجة خضراء وهي لبس ولي العهد إذا حزن على من تقدمه وقام وألبسه إياها‏.‏

وأخذوا في تجهيز الفائز فلما أخرج تابوته صلى عليه وحمل إلى التربة‏.‏

وأخذ الصالح بيد عبد الله وأجلسه إلى جانبه وأمر أن تحمل إليه ثياب الخلافة فألبسها وبايعه ثم بايعه الناس ونعته بالعاضد لدين الله‏.‏

وذلك يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين‏.‏

وأبوه أحد الأخوين اللذين قتلهما الوزير عباس‏.‏

ولما بويع العاضد ركب وحملت على رأسه المظلة وركب الصالح بين يديه وخرج من التربة قاصداً قصره‏.‏

وكانت عادة الخلفاء أنه إذا ورد البشير إلى أخص أهل من يبايع يعطى ألف دينار فلما بويع العاضد حضر المبشر إلى عمته فأعطته نزراً فلما راجعها في الزيادة أبت عليه واستقر العاضد اسماً والصالح معنىً فتمكن وقويت حرمته واستولى على الدولة وتمكن منها ونقل جميع أموال القصر إلى دار الوزارة وأساء السيرة باحتكار الغلات فوقع الغلاء وارتفعت الأسعار وأكثر من قتل أمراء الدولة‏.‏

وفيها ولي الصالح شاور بن مجير بن سوار بن عشائر بن شاس السعدي الصعيد فظهرت كفايته واستمال الرعية‏.‏

وفيها بعث العاضد بالخلع إلى نور الدين محمود صاحب دمشق فلبسها‏.‏

وفيها توفى بمصر أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عمر بن قاسم المعروف بنفطويه الحضرمي المقرئ الأديب رحل فسمع ببغداد وميافارقين وبمصر‏.‏

وتوفي بعيذاب الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الحباب السعدي أخو القاضي الجليس رحل فسمع ببغداد وغيرها وصنف كتاب مساوئ الخمر وكتاب الحجة لسلف هذه الأمة في تسمية الصديق وارد على من أنكر ذلك وكتاب تهذيب المقتبس في أنباء أهل الأندلس‏.‏

وكان من الصالحين‏.‏

وتوفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن كوار بن المختار بن الغرناطي بمصر وكان من أعيان غرناطة وله معرفة جيدة بالنحو وكتب عن السلفي‏.‏

فيها عقد العاضد على ابنة الصالح ابن رزيك في مستهله بعدما امتنع من ذلك فحبسه الصالح حتى أجاب‏.‏

وقصد الصالح بزواجه ابنته أن يرزق منه ولداً فيجتمع لبني رزيك الخلافة مع الملك‏.‏

وفيها قدم حسين بن نزار بن المستنصر إلى برقة من بلاد المغرب ودعا إلى نفسه فاجتمع عليه قوم كثير وتلقب بالمستنصر وعزم على المسير إلى أذخ القاهرة فخدعه الأمير عز الدين حسام بن فضة بن رزيك ووعده بالقيام بدعوته وما زال يتلطف به حتى صار عنده في خيمته فقبض عليه وحمله إلى القاهرة فقتل في شهر رمضان‏.‏

وفيها قتل الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين أبو الغارات طلائع بن رزيك‏.‏

وذلك أنه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر أخذت السيدة العمة ست القصور وهي أخت الظافر الصغرى في العمل على قتله ورتبت مع قوم من السودان الأقوياء أن يقيموا منهم في باب السرداب من الدهليز المظلم الذي يدخل منه إلى القاعة جماعةً ويقيموا آخرين في خزانة هناك وأرسلت إلى ابن الراعي وإلى الأمير المعظم بن قوام الدولة صاحب الباب وقررت معه أن يخلى الدهاليز من الناس حتى لا يبقى بها أحد‏.‏

فأعدوا في حجرة في دهليز القصر وردوا عليهم طرف الضبة‏.‏

فلما كان في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان ركب الصالح على عادته للسلام على الخليفة فلما انفصل من خدمة السلام بقاعة الذهب وخرج إلى الدهاليز عرض له أستاذ يقال له عنبر الريفي وأوقفه وذكر له حديثاً طويلا فتقدم رزيك ابن الصالح فخرج رجلان وثبا على الصلاح ووقعت الصيحة فعثر الصالح بأذياله فتقدم إليه ابن الراعي وطعنه بسيف قطع أحد وريديه وضربه العبيد بالسيوف فقطعوا عذيته ونزلت في لحمه وشلت سلسلة ظهره‏.‏

فوضع يده على جرحه وأنشد‏:‏

إن كان عندك يا زمان بقيّةٌ ** ممّا تهين به الكرام فهاتها

وضرب رزيك بن طلائع في عضده الأيمن‏.‏

وتكاثروا على الصالح فسقط على وجهه منكبّاً واستفرغ بالدّم فأدركه الأمير ابن الزبد وألبسه منديل ضرغام بن سوار وكان قد نزع منديله عن رأسه وحمل حتى أركب على فرسه وهو لا يفيق‏.‏

وبقي حسين ابن أبي الهيجاء في القصر يقاتل السودان حتى قتل منهم خمسين رجلاً‏.‏

ولما ركب الصالح وشدوا جرحه تطلعت السيدة العمة من القصور فرأته راكباً فقالت‏:‏ رحنا والله‏.‏

فلما صار إلى داره كان إذا أفاق يقول‏:‏ رحمك الله يا عباس وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضي بقتله مع حسن أثره في إقامته خليفة فأقسم أنه لم يعلم بذلك ولا رضى به‏.‏

وما ظفروا لمّا قتلت بطائل فعشت شهيداً ثم متّ شهيدا فلما كان ثلث ليلة الثلاثاء العشرين من شهر رمضان مات ودفن بالقاهرة ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته‏.‏

ومولده في سنة خمس وتسعين‏.‏

وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أياماً‏.‏

وكان فاضلا سمحاً في العطاء سهلا في اللقاء محباً لأهل الفضائل جيد الشعر وخطه دون شعره‏.‏

ويقال إنه من المغرب وقد قصد أبوه زيارة قبر علي بن أبي طالب بالنجف فرأى أمام المشهد علياً وأخبره عن طلائع أنه يلي مصر فقدمها وما يزال يترقى في الخدم حتى نال ما نال‏.‏

وأنشد له ابن خلكان‏:‏ كم ذا يرينا الدّهر من أحداثه غيراً وفينا الصّدّ والإعراض ننسى الممات وليس يجري ذكره فينا فتذكرنا به الأمراض وكان لأهل العلم عنده نفاق ويرسل إليهم العطايا الكثيرة‏.‏

بلغه أن أبا محمد ابن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتاً من شعره وهو‏:‏ تجنّب سمعي ما يقول العواذل وأصبح لي شغلٌ من الغزو شاغل فجهز له هدية سنية ليرسلها إليه فقتل قبل إرسالها‏.‏

وبلغه أن إنساناً من أعيان الموصل قد وكان وافر العقل رضي النفس بصيراً بالتجارب عالماً بأيام الناس بصيرا بالعلوم الأدبية محبباً إلى الناس لإظهاره الفضل والدين وإنكاره الظلم والفساد‏.‏

إلا أنه كان من غلاة الإمامية مخالفاً لما عليه مذهب العاضد وأهل الدولة‏.‏

فلما بايع للعاضد وركب من القصر سمح ضجةً عظيمةً فقال‏:‏ ما الخبر فقيل إنهم يفرحون بالخليفة‏.‏

فقال‏:‏ كأني بهؤلاء الجهلاء وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم‏.‏

وجرى من بعض الأمراء في مجلس السمر عنده انتقاص بعض السلف وكان الفقيه عمارة جالساً فقام وخرج معتذراً بحصاة تعتاده وانقطع في منزله ثلاثة أيام ورسول الصالح يرد إليه كل يوم بالطبيب ثم ركب إليه بعد ذلك وهو في بستان مع جلسائه في خلوة فاستوحش من غيبته فأعلمه أن لم يكن به وجع ولكنه كره ما جرى في حق السلف فإن أمر السلطان فقطع ذلك حضرت وإلا كان في الأرض سعة وفي الملوك كثرة‏.‏

فعجب الصالح من ذلك‏.‏

وقال‏:‏ سألتك بالله ما تعتقد في أبي بكر وعمر فقال‏:‏ أعتقد أنه لولاهما لم يكن سبق للإسلام حرمة ولا علا له راية وما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه‏.‏

ثم قرأ‏:‏ ‏"‏ ومَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيم إِلاَّ من سَفِهَ نَفْسَهُ ‏"‏ فضحك الصالح وكان هذا من رياضته فإنه مخالف لمذهبه مخالفة لا يحتملها مثله إلا أنه مرتاضا حصيفاً قد لقي الفقهاء وسمع كلامهم‏.‏

وبعث يوماً إلى عمارة ثلاثة أكياس من مال ورقعةً بخطه فيها هذه الأبيات يدعوه فيها إلى مذهبه‏:‏ قل للفقيه عمارةٍ‏:‏ يا خير من أضحى يؤلّف خطبةً وكتابا اسمع نصيحة من دعاك إلى الهدى قل حطّةٌ وادخل إلينا البابا تلق الأئمّة شافعين ولا تجد إلاّ لدينا سنّة وكتابا وعلىّ أن يعلو محلّك في الورى وإذا شفعت إليّ كنت مجابا وتعجّل الآلاف وهي ثلاثة صلةً وحقّك لا تعدّ ثوابا فأجابه عمارة‏:‏ حاشاك من هذا الخطاب خطابا يا خير أملاك الزّمان نصابا لكن إذا ما أفسدت علماؤكم معمور معتقدي وصار خرابا ودعوتم فكري إلى أقوالكم من بعد ذاك أطاعكم وأجابا فاشدد يديك على صفاء محبّتي وامنن عليّ وسدّ هذا البابا وهو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة ووقف ثلثي المقس على الأشراف وتسعة قراريط وكان أبوه يسمى أسد رزيك وقدم مع أمير الجيوش بدر إلى مصر وتوفى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة‏.‏

ومن العجب أنه ولي الوزارة في التاسع عشر وقتل في التاسع عشر وزالت دولتهم في التاسع عشر‏.‏

وهو أول من خوطب بالملك في ديار مصر ونعت به‏.‏

ومن عجيب الاتفاق أن عمارة أنشد مجد الإسلام رزيك بن الصالح بدار سعيد السعداء في ليلة السادس عشر من شهر رمضان أبياتا منها‏:‏ أبوك الّذي تسطو الّليالي بحدّه وأنت يمينٌ إن سطا وشمال لرتبته العظمى وإن طال عمره إليك مصيرٌ واجب ومآل تخالسك الّلحظ المصون ودونها حجابٌ شريف لا انقضى وحجال فانتقل الملك إليه بعد ثلاثة أيام‏.‏

قال عمارة‏:‏ ودخلت على الصالح قبل قتله بثلاثة أيام فناولني رقعة فيها بيتان من شعره وهما‏:‏ نحن في غفلةٍ ونومٍ وللمو - - ت عيونٌ يقظانةٌ لا تنام قد رحلنا إلى الحمام سنيناً ليت شعري متى يكون الحمام‏!‏ فكان آخر عهدي به‏.‏

أفي أهل ذا النّادي عليمٌ أُسائله فإني لما بي ذاهب العقل ذاهله سمعت حديثاً أحسد الصّمّ عنده ويذهل واعيه ويخرس قائله فقد رابني من شاهد الحال أنّني أرى الدّست منصوباً وما فيه كافله وأنّى أرى فوق الوجوه كآبةً تدلّ على أنّ الوجوه ثواكله دعوني فما هذا بوقت بكائه سيأتيكم طلّ البكاء ووابله ولم لا نبكّيه ونندب فقده وأولادنا أيتامه وأرامله أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم فيسكن أم تطوى ببينٍ مراحله فيا ليت شعري بعد حسن فعاله وقد غاب عنّا ما بنا الدّهر فاعله‏!‏ قال عمارة‏:‏ وكانت أحوال الصالح تارةً له وتارةً عليه فما هو عليه فرط العصبية في المذهب وجمع المال واحتجانه والميل على الجند وإضعافهم والقص من أطرافهم‏.‏

وأما التي له فلم تكن مجالس أنسه تنقضي إلا بالمذاكرة في أنواع العلوم الشرعية والأدبية وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته‏.‏

وكان مرتاضاً قد سمر أطراف المعالي وتميز عن أخلاق الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجردة‏.‏

وكان شاعراً يحب الأدب وأهله ويكثر من جليسه ويبسط من أنيسه‏.‏

وكان كرمه أقرب من الجزيل منه إلى الهزيل وصنف كتاباً سماه‏:‏ الاعتماد في الرد على أهل العناد‏.‏

وله قصيدة سماها‏:‏ الجوهرية في الرد على القدرية ولما مات الصالح خرج ولده المنصور وهو مجروح وجلس في مرتبة أبيه وبعث إلى العمة ست القصور من أهل القصور فسلمت إليه فخنقها بمنديل ورميت قدامه فبعثت السيدة العمة أختها إلى سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح وحلفت له أنها لم تدر ما جرى على الصالح وأن فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة‏.‏

وحضر إليها مجد الإسلام أبو شجاع رزيك بن الصالح فخلع عليه الوزارة فإن الصالح أوصى بها إليه وجعل من حسين بن أبي الهيجاء الكردي مدبر أمره ونعت بالسيد الأجل مجد الإسلام الملك العادل الناصر أمير الجيوش وفسح له في أخذ من ارتاب به في قتل أبي فأخذ ابن قوام الدولة وقتله وولده والأستاذ الذي شغل الصالح بالحديث‏.‏

واستحسن الناس سيرته وسامح الناس بما عليهم من البواقي الثابتة في الدواوين‏.‏

وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة وقام عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين وسير على يد الأمير محمد بن شمس الخلافة نحواً من خمسة عشر ألف دينار إلى قاسم ابن هاشم أمير الحرمين برسم إطلاق الحاج‏.‏

وظفر بقتلة أبيه ظفراً عجيباً بعد تشتتهم في البلاد‏.‏

وكان زفاف أخته إلى العاضد في وزارته فحمل معها بيوت الأموال‏.‏

ونقل تابوت أبيه إلى القرافة‏.‏

وسير إلى والي الإسكندرية بحمل عبد الرحيم بن علي البيساني الملقب بالقاضي الفاضل واستخدمه بين يديه في ديوان الجيش‏.‏

وترامت الحال في أيامه بالأمير عز الدين حسام قريبه وعظم صيته واستولى على تدبير كثير من أموره وعظم غلمان أبيه‏.‏

وكان فارساً شجاعا له مواقف معروفة‏.‏

وكان أبوه الصالح قد ولى شاور بن مجير بن نزار السعدي قوص ثم ندم على ولايته وأراد عوده من الطريق ففاته وحصل بها وطلب منه في كل شهر أربعمائة دينار وقال لا بد لقوص من وال وأنا ذلك والله لا أدخل القاهرة ومتى صرفني دخلت النوبة فتركه‏.‏

ولما جرح وأشرف على الوفاة كان يعد لنفسه ثلاث غلطات إحداها ولاية شاور الصعيد الأعلى والثانية بناء الجامع على باب زويلة فإنه مضرة على القاهرة والثالثة خروجي بالعساكر إلى بلبيس وتأخيري إرسالها إلى بلاد الفرنج وكان قد أنفق على هذه العساكر مائتي ألف دينار‏.‏

وأوصى ابنه رزيك ألا يتعرض لشاور بمساءة ولا يغير عليه حاله فإنه لا تأمن عصيانه والخروج عليك‏.‏

فلما استمر رزيك بن الصالح في الوزارة حسنت له بطانته صرف شاور عن قوص ليتم الأمر له وأشار عليه سيف الدين حسين بن أبي الهيجاء بإبقائه فقال ما أنا آبي ولا لي طمع فيما آخذه منه ولكن أريده يطأ بساطي‏.‏

فقيل له‏:‏ ما يدخل أبداً‏.‏

فلم يقبل وخلع على الأمير نصير الدين شيخ الدولة ابن الرفعة بولاية قوص‏.‏

فيما خرج ملك النوبة إلى أسوان في اثنى عشر ألف فارس وقتل من المسلمين عالما عظيماً‏.‏

فيها مات بالقاهرة في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من رجب القاضي أبو الحجاج يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي الصويبي وصويب قبيلة بن جذام‏.‏

ولد بالقدس يوم الجمعة تاسع ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة وقدم مصر بعد أخذ الفرنج القدس فنشأ بها واشتغل بالعلم وتولى خزانة الكتب في سنة أربع وعشرين وخمسمائة وولي قضاء فوة وعملها في محرم سنة سبع وأربعين‏.‏

ومات بالصعيد كنز الدولة أبو الطليق يوسف وولى بعده رئاسة قبائله أخوه أبو العز فتوح في حادي عشر محرم‏.‏

 سنة سبع وخسمين وخمسمائة

في عاشر المحرم أفرج العادل رزيك عن الأمراء الذين اعتقلهم أبوه الصالح ابن رزيك في ثالث عشري ربيع الأول سنة تسع وأربعين وهم صبح بن شاهنشاه وأسد الغاوي ومرتفع الظهير‏.‏

وفيها أنشأ الأمير أبو الأشبال ضرغام بن سوار البرج عند باب البحر بالإسكندرية فعرف ببرج ضرغام‏.‏

وفي آخر ذي القعدة ورد الخبر بخروج شاور عن طاعة العادل رزيك‏.‏

وذلك أن الأمير نصير الدين لما خلع عليه بولاية قوص كتب على يده كتاباً إلى شاور بتسليم البلاد إليه وحضوره إلى القاهرة‏.‏

فلما وصل إلى إخميم كتب كتاباً إلى شاور وفي طيه كتاب رزيك فلما وقف عليه بعث إليه أن ارجع ولا تحضر قولاً واحداً فرجع إلى القاهرة وجهر شاور بالعصيان‏.‏

 سنة ثمان وخمسين وخمسمائة

فيها زالت دولة بني رزيك‏.‏

وذلك أن مماليك الصالح وغلمانه مثل يانس وورد وسعادة الأسود وبختيار اشتد ظلمهم وكان الصالح قد قدمهم حتى صار لكل منهم نحو المائتي مملوك وطغوا في أيام رزيك حتى ضج الناس منهم‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ أمنتم يا بني رزّيك جهلا فذاك الأمر يتبعه الأماني وكان شاور بن مجير السعدي لما بلغه أن الناصر رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك عزله عن ولاية قوص وولي غيره اضطرب وخرج من قوص في جماعة قليلة فسار على طريق الواحات في البراري حتى صار في تروجة فاجتمع عليه الناس وقوي أمره وتزايد‏.‏

فاهتم لذلك رزيك ورأى في منامه وكأنه قد صار رواسا في حانوت فلما قص هذه الرؤيا على حسين بن أبي الهيجاء نظر عابرا كان تاجرا حاذقاً يعرف بابن الأرتاحي وأخبره بما رأى فغالطه في التفسير وفهم ذلك حسين‏.‏

فلما خرج ألزمه أن يصدقه بتأويله ما رآه رزيك فقال يا مولاي القمر عندنا هو الوزير كما أن الشمس الخليفة والحنش المستدير عليه جيش مصحف وكونه رواساً أقلبها تجدها شاورا مصحفاً وما وقع لي غير هذا‏.‏

فقال اكتم هذا عن الناس‏.‏

وأخذ حسين يحتاط لنفسه وتجهز إلى الحجاز‏.‏

فكثر الإرجاف بمسير شاور إلى أن قرب من القاهرة‏.‏

فوقع الصائح في بني رزيك وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف فارس فأسرع ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء وهم إخوته ملهم وحسام وهمام ويحيى بن الخياط وبنو الحاجب ونظراؤهم وصاروا إلى شاور‏.‏

فأسقط في أيدي العسكر الباقي مع بني رزيك‏.‏

وكان أول من نجا بنفسه حسين بن أبي الهيجاء خرج فارا ومعه حسام إلى الحوف واستجار بطريف بن مكنون أحد أمراء جذام فأجاره وحمله من أيلة في البحر إلى المدينة النبوية فجاور ولما فر حسين فت ذلك في عضد رزيك ولم يثبت وخرج رزيك من القاهرة في نصف المحرم ومعه جماعة من غلمانه وعدة بغال موقرة من المال والجواهر والثياب الخاص‏.‏

وتحير فلم يدر أين يذهب فوقع بظاهر إطفيح عند مقدم العرب سليمان بن الفيض فأخذه وكل ما معه‏.‏

ودخل أبو شجاع شاور إلى القاهرة ومعه خلق كثير ومعه أولاده طي وشجاع والطاري فنزل دار سعيد السعداء وأحضر إليه ابن الفيض رزيك مكبلا فاعتقله وأخاه جلال الإسلام‏.‏

فبعث جلال الإسلام إلى من أعلم شاوراً أن أخاه طلب مبرداً من بعض غلمان أبيه وبرد القيد الذي في رجليه ليهرب فدخلوا إليه وقتلوه‏.‏

ومولده في ذي القعدة سنة ثلاث أو اثنتين وخمسمائة‏.‏

وأنفقوا على أخيه لهذه النصيحة وبقي من جملة أرباب الإقطاع إلى أن مات‏.‏

وقيل إن هذا كان من فعلات طي بن شاور وحشمه حتى قتل العادل‏.‏

وكان سليمان بن الفيض من لخم وهو ممن أنشأه الملك الصالح طلائع بن رزيك وخوله في نعم جمة فلم يرع يداً وقبض على ابنه العادل وأسلمه لشاور ونهب أصحابه ماله‏.‏

فلما قدم به عليه قال يا سليمان لقد خبأك الصالح ذخيرةً لولده حين استجار بك فأسلمته لي وأنا الآخر أخبئك ذخيرة لولدي‏.‏

ثم أمر به فشنق‏.‏

وانقطع بنو رزيك وبزوالهم زالت الدولة‏.‏

فكانت مدة بني رزيك في الوزارة تسع سنين وكان دخول شاور إلى القاهرة ووزارته في يوم الأحد ثاني عشري المحرم‏.‏

ولما استقر في الوزارة تلقب بأمير الجيوش‏.‏

وانثالت عليه على ولده طي أموال بني رزيك وودائعهم من عند الناس حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده فظفر هو من أموالهم سوى السلاح والكراع وغيره وسوى ما أخذه أولاده بما ينيف عن خمسمائة ألف دينار عينا‏.‏

فبعث بذلك كله مع جميع ما أدخل إليه إلى العربان وأودعه عندهم وأنعم عليهم حتى كثرت أموالهم وصاروا يكيلونها كيلا ويقولون‏:‏ لفلان قدحان ذهباً ولفلان ثلاثة أقداح‏.‏

وزاد تمكنهم له حتى لم يكونوا يفارقون باب الفتوح وباب النصر ونهبوا غلات الحوف واستخفوا المقطعين فلم ينكر عليهم وأراد أن يكونوا له عضداً ورداء‏.‏

وكان الصالح بن رزيك قد قرر للفرنج في كل سنة على مصر ثلاثة وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم فوافت رسلهم تطلب ذلك‏.‏

ولما قتل رزيك بن الصالح في رمضان قدمت رأسه في طشت إلى شاور وهو بدار الوزارة فقال في ذلك الفقيه عمارة‏:‏ أعزز عليّ أبا شجاع أن أرى ذاك الجبين مضرّجا بدمائه ما قلبته سوى رجالٍ قلّبوا أيديهم من قبل في نعمائه وجلس شاور بعد قتل الناصر رزيك بن الصالح بدار الذهب وقام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك وفيهم ضرغام نائب الباب ويحيى بن الخياط أسفهسلار العسكر وغيرهما فقال عمارة‏:‏ زالت ليالي بني رزّيك وانصرمت والحمد والذّمّ فيها غير منصرم كأنّ صالحهم يوماً وعادلهم في صدر ذا الدّست لم يقعد ولم يقم هم حرّكوها عليهم وهي ساكنةٌ والسلم قد تنبت الأوراق في السّلم كنّا نظنّ وبعض الظّنّ مأثمةٌ بأنّ ذلك جمعٌ غير منهزم فمذ وقعت وقوع النّسر خانهم من كان مجتمعاً من ذلك الرّخم ولم يكونوا عدوّاً ذلّ جانبه وإنمّا غرقوا من سيلك العرم وما قصدت بتعظيمي عداك سوى تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلم ولو شكرت لياليهم محافظةً لعهدها لم يكن بالعهد من قدم ولو فتحت فمي يوماً بذمّهم لم يرض فضلك إلاّ أن يسدّ فمي والله يأمر بالاحسان عارفة منه وينهى عن الفحشاء في الكلم فشكر شاور عمارة على الوفاء لبني رزيك ونقم عليه ضرغام قوله‏:‏ فمذ وقعت‏.‏

البيت ثم إن شاور جهز الخلع إلى العادل نور الدين بالشام فلبسها يوم الاثنين ثاني عشري رمضان وقبض المال المسير إليه‏.‏

وكتب للأجناد والعرب وحواشي القصر من الرواتب والزيادات نظير مالهم عشر مرات وهو غير ظاهر للناس والأبواب مغلقة عليه خيفة‏.‏

وذلك أن الصالح بن رزيك كان قد أنشأ أمراء يقال لهم البرقية وجعل ضرغام بن عامر بن سوار المذكور الملقب أبا الأشبال فارس المسلمين مقدمهم ثم صار صاحب الباب فطمع في شاور وكان فارساً كاتباً فجمع رفقته وتخوف منه شاور‏.‏

وصار العسكر فرقتين‏:‏ ضرغام ومن معه فرقة وحرب ومن معه حزب‏.‏

فأما ضرغام فأظهر المباينة وأما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور وعاشروه ولازموه‏.‏

فلما كان بعد تسعة أشهر من وزارته ثار به ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري رمضان وقد جمع له وكانت بينهما وقعة قتل فيها طي بن شاور وهو أكبر أولاده وقتل أخوه سليمان الطاري وهو الأصغر وأسر الكامل فاعتقله ملهم ومنع منه أخاه ضرغاماً ليد كانت له عنده‏.‏

وكان بين قتل طي بن شاور وقتل العادل رزيك نيف وثلاثون يوماً‏.‏

وخرج شاور من القاهرة يريد الشام كما فعل رضوان بن ولخشي وقد كان رفيقاً له إذ ذاك وذلك أول شوال فنهبت داره ودور أولاده وحواشيه وذهب جميع ما نالوه من مال بني رزيك‏.‏

وقتل الكامل علي بين القصرين وتركت جثته يومين ملقاة ومعه ابن أخته وحسان تربية شاور‏.‏

فكانت وزارته تسعة أشهر‏.‏

وكانت أخلاق شاور في وزارته هذه مستورة باستمرار العافية والسلامة ولم يكن فيها أقبح من قتل رزيك بن الصالح فإنها أعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره‏.‏

وكان كرمه إليه المنتهى وشدة بأسه في مواطن الحرب شهيرة وكان شديد الثبات كثير الوثبات‏.‏

ومما نقم عليه أن ابنه الكامل عمل مظلة كانت تحمل على رأسه وتحكم على أبيه وترفع على الأمراء وعسفهم‏.‏

ولما فر شاور ونزل بفاقوس عند بني منصور استولى ضرغام على الوزارة وتلقب بالملك المنصور في سابع عشري رمضان فشكر الناس سيرته فإنه كان فارس عصره كاتباً جميل الصورة فكه المحاضرة عاقلا كريماً لا يضع كرمه إلا في سمعة ترفعه أو مداراة تتبعه‏.‏

إلا أنه كان أذناً متخيلا على أصحابه وإذا ظن بإنسان شراً جعل الشك يقيناً‏.‏

وكان في وزارته مغلوباً مع أخويه ناصر الدين همام وفخر الدين حسام‏.‏

وقيل إن ملهماً وضرغاماً لما علما تغير الناس على شاور وأولاده أخذا في مراسلة رزيك في سجنه وإفساد الناس له فبلغ الخبر طي بن شاور فدخل إليه وقال‏:‏ بلغني أن ملهماً وضرغاماً قد تحدثا لرزيك في الأمر وقد حلفا له جماعةً من الأمراء وأنت غافل عن هذا الأمر‏.‏

فقال له شاور‏:‏ اسكن ولا تعجل أنا أكشف عن هذا فإذا تحققته حكمته‏.‏

فقال‏:‏ لا غنى بي عن قتل رزيك فإني إذا قتلته أمنت‏.‏

فقال له شاور‏:‏ لا يمكن قتله فإنه أولاني جميلا بسببه صرت في هذا المحل‏.‏

فمضى طي إلى رزيك وقتله فقامت قيامة شاور‏.‏

وبلغ ذلك ضرغاماً فثار وأثار من خلفه وقرر معهم أمر رزيك وزحف بهم فانهزم شاور‏.‏

فكان في هذه السنة ثلاثة من الوزراء هم‏:‏ رزيك بن الصالح بن رزيك وأمير الجيوش شاور والمنصور ضرغام بن عامر بن سوار المنذري اللخمي أبو الأشبال‏.‏

وفيها اختلت الدولة وضعفت بذهاب أمرائها وأولي الرأي فيها‏.‏

فيها سار الفرنج إلى ديار مصر فوصلوا إلى السدير‏.‏

وورد الخبر في ثاني شوال بوصولهم إلى فاقوس فأخرج إليهم ضرغام أخاه ناصر المسلمين هماماً وكان شجاعاً فالتقى معهم وحاربهم فهزموه بعد أن قتل منهم خلقاً‏.‏

وكان شاور قد انضم إلى بني منصور لأنه من فخذهم وكان قائماً على كوم عال‏.‏

ثم إن الفرنج صاروا إلى حصن بلبيس في شوال وملكوا بعض السور فردهم عنه همام وبنو كنانة‏.‏

وتفرق العسكر إلى الحوف فقاتل العرب هؤلاء وقد انهزموا من الفرنج فقتلوا كل من ظفروا به‏.‏

وعاد العسكر وقد قتل منهم العرب عدة ورجع الفرنج إلى بلاد الساحل بمن أسروه من المسلمين وفيهم القطوري من أكابر الأمراء‏.‏

فلما صار همام بالقاهرة صار كأنه مشارك لأخيه في الوزارة كل منهما يوقع ويقطع ولم يظفر ضرغام من المال بكبير شيء فإنه نهب‏.‏

وفيها ولي الوزير ضرغام الأمير مرتفع الخلواص الإسكندرية برجاء إبعاده عنه فلما صار إليها ظفر بقوم رتبهم ضرغام لقتاله فتأكدت الوحشة بينهما وجمع لمحاربة ضرغام وخرج من الإسكندرية فكتم ذلك‏.‏

وفيها قدم شاور دمشق في ذي القعدة وترامى على نور الدين فبعث الوزير ضرغام إليه بعلم الملك ابن النحاس بأن يقبض على شاور فأجاب في الظاهر وأضمر غير ذلك‏.‏

وفيها قتل ضرغام عدة من الأمراء في دعوة جمعهم فيها وأعد لهم من خرج على الجميع وقتلهم في داره‏.‏

وكان قاع النيل خمس أذرع وثلاث عشرة إصبعاً وبلغ أربع عشرة ذراعاً وثماني أصابع‏.‏

 سنة تسع وخمسين وخمسمائة

فيها وصل رسل الفرنج في طلب مال الهدنة فماطلهم به ضرغام ودافعهم حتى شغل عنهم بقدوم شاور‏.‏

وفي ثامن عشر ربيع الأول قبض ضرغام على صبح بن شاهنشاه عين الزمان وأسد الغاوي وعلي بن الزبد في عدة تبلغ نحو السبعين من الأمراء سوى أتباعهم وذلك أنه بلغه عنهم أنهم قد حسدوه واحتقروه وكاتبوا شاوراً ووعدوه القيام معه‏.‏

ثم أخرجهم ليلا وضرب أعناقهم فاختلت الدولة بقتل رجالها وذهاب فرسانها‏.‏

وفيها وجه ضرغام بأخيه ناصر الدين همام على طائفة من العسكر لقتال الأمير مرتفع ابن مجلي المعروف بالخلواص متولي الإسكندرية وقد جمع وسار فعندما بلغ من معه من العربان قتل الأمراء البرقية فتروا عن القيام معه وطمعوا فيه ووثب به قوم من بني سنبس وقبضوا عليه وأتوا به إلى همام فقدم به إلى القاهرة فضرب ضرغام عنقه يوم الجمعة ثامن ربيع الآخر وصلبه على باب زويلة فنفرت القلوب من ضرغام‏.‏

وكان شاور قد وصل في ثالث عشري ذي القعدة من السنة الماضية إلى دمشق مترامياً على السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي مستجيراً به على ضرغام فأكرم مثواه وأحسن إليه فتحدث مع السلطان في أن يرسل معه العساكر إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر ويكون معه من أمراء الشام من يقيم معه في مصر ويتصرف هو بأوامر نور الدين واختياره‏.‏

فبقي نور الدين يقدم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخر أخرى فتارةً يقصد رعاية شاور لكونه التجأ إليه وكون ما قاله زيادةً في ملكه وتقويةً له على الفرنج وتارة يخشى خطر الطريق وكون الفرنج فيه ويخاف من شاور أنه إذا استقرت قدمه في مصر خاس في قوله ويخلف بما وعد‏.‏

ثم قوي عزمه على إرسال الجيوش فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها‏.‏

واتفق أن الواعظ زين الدين بن نجا الأنصاري سمع بسعة أرزاق مصر فقدم إليها في وزارة الصالح ابن رزيك فأقبل عليه وحصل له من إنعامه ومما أخذه له من العاضد في ثلاث سنين ما يناهز عشرين ألف دينار وسوغه عدة دور بتوقيع‏.‏

فسمع بالزاهد أبي عمرو ابن مرزوق يتحدث الناس عنه بأنه مهما قاله لهم وقع وأنه يركب كل سنة في نصف شعبان حماراً له ويأتي معه جماعة إلى ذيل الجبل ويودعونه ويمضون فيطلع أبو عمرو إلى الجبل ويلقاه الناس في الليلة الثانية ويجتمعون كاجتماعهم للعيد ويركب حماره والناس تحته وينتظر وينزل بعد صلاة المغرب إلى مسجده بقصد زيارته وقد تجمع الناس في الأسطحة والدكاكين والطرقات والشيخ يعمل الختمات‏.‏

فوصل إليه وأقام حتى انفض الناس فخلا به وتعرف إليه فكان مما قال له‏:‏ أتعرف بالشام أحداً يقال له شيركوه‏.‏

فقال‏:‏ نعم أمير من أمراء نور الدين‏.‏

فقال‏:‏ هذا يأتي إلى هذه البلاد ويملكها وكل ما تراه من هذه الدولة يزول حتى لا يبقى له أثر عن قرب‏.‏

وانصرف فلما قضى أربه من القاهرة وعاد إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدين وحكى له قول الشيخ أبي عمرو فقال له‏:‏ لا تخبر أحداً بذلك‏.‏

ومضى اليوم وما بعده إلى أن قدم شاور على السلطان نور الدين وقوي عزمه على تجهيز العساكر معه فوقع اختيار السلطان على الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي بن مروان أحد أمرائه فاستدعاه من حلب فوصل إلى دمشق مستهل رجب منها وأمره بالمسير إلى مصر مع العساكر صحبة شاور فامتنع وقال‏:‏ لا أمشي بألف فارس إلى إقليم فيه عشرة آلاف فارس ومائة شيني فيها عشرة آلاف مقاتل وعندهم أربعون ألف عبد لخمس خلفاء وهم مستوطنون في أوطانهم قريبة منهم خزائنهم ونأتي نحن من تعب السفر بهذه العدة القليلة‏.‏

فتركه وأرسل إلى ابن نجا فلما جاء قال له‏:‏ حديث الرجل الزاهد الذي بمصر أخبرت به أحداً فقال‏:‏ معاذ الله والله ما سمعه مني أحد سوى السلطان‏.‏

فقال‏:‏ امض إلى أسد الدين شيركوه واحك له الخبر‏.‏

فمضى إلى شيركوه وقص عليه الحديث بنصه فطابت نفسه للسفر‏.‏

وسار العسكر وصحبته شاور يوم الاثنين خامس عشر جمادى الأولى وقد أقر نور الدين شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممن ثار عليه‏.‏

وخرج نور الدين إلى أطراف بلاد الفرنج مما يلي دمشق بعساكر ليمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين فكان قصارى أمر الفرنج أن وأخذ شيركوه في سيره إلى مصر على شرقي الشوبك حتى نزل أيلة وسار منها إلى السويس فلم يدر ضرغام وقد وصل إليه رسل الفرنج في طلب مال الهدنة المقرر لهم في كل سنة على أهل مصر وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار وهو يدافعهم ويماطلون إلا بطيور البطائق قد سقطت من عند أخيه الأمير حسام الدين متولي بلبيس في يوم الأحد خامس عشري جمادى الأولى يخبر فيها بوصول شاور وأسد الدين شيركوة ومعهما من الأتراك خلق كثير فانزعج وتأهب لتسيير العسكر‏.‏

وأصبح الناس يوم الاثنين السادس والعشرين من جمادى الأولى وقد شاع ذلك بينهم فخافوا على أنفسهم وأموالهم وانتقلوا من مكان إلى مكان على عادتهم وجمعوا عندهم الأقوات والماء‏.‏

وخرج الأمير ناصر المسلمين همام بالعساكر أول يوم من جمادى الآخرة وهم نحو ستة آلاف فارس بالخيول المسرجة والدروع الثمينة والسلاح العجيب وقد أعجبوا بأنفسهم واطمأنوا بأنهم ظافرون‏.‏

فوصلوا إلى بلبيس يوم الأحد ثانيه فوافاهم شاور بالعسكر الشامي يوم الاثنين فباتوا ليلة الثلاثاء وأصبحوا وقد توهم منهم أسد الدين شيركوه وقال لشاور‏:‏ يا هذا لقد غررتنا وقلت إنه ليس بمصر عساكر حتى جئنا بهذه الشرذمة‏.‏

فقال‏:‏ لا يهولنك ما تشاهد من هذه الجموع فأكثرها حاكة وفلاحون يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا فما ظنك بهم إذا حمى الوطيس وكلبت الحرب‏.‏

وأما الأمراء فإن كتبهم وعهودهم معي وسترى إذا التقينا لكني أريد منك أن تأمر العساكر بالاستعداد‏.‏

فلما ترتبوا نهاهم عن القتال فتحرك المصريون وتأهبوا وأقاموا حتى حمى النهار فسخن عليهم الحديد ولم يروا أحداً يسير إليهم فنزلوا عن خيولهم وأقاموا الخيم وألقى بعضهم السلاح‏.‏

فلما عاين ذلك شاور أمر بالحملة عليهم فثار المصريون وحمل ناصر المسلمين همام والأمير فارس المسلمين على العسكر الشامي فجرح همام والتفت فلم ير أحداً من عسكره فكان أشجعهم من يصير على ظهر فرسه‏.‏

وانهزموا بأجمعهم إلى بلبيس وغنم العسكر الشامي جميع ما كان معهم فقووا به وتبعوهم وأسروا منهم جماعة الأمراء وغيرهم ثم منوا عليهم وسيروهم في جمعهم‏.‏

ولحق الأمير همام بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامسه وهو مجروح واختفى الأمير حسام في مدينة بلبيس فدل عليه بعض الكنانية فأسر وقيد‏.‏

وسار العسكر فوصلوا إلى القاهرة بكرة يوم الخميس سادسه فنزلوا عند التاج بظاهر القاهرة وانتشر العسكر في بلاد يريدون الأكل والعلف‏.‏

وكان ضرغام قد كاتب أهل الأعمال فوصلوا إليه لخوفهم من الترك فضمهم إليه ومعهم الريحانية والجيوشية وجعلهم في داخل القاهرة فأقام شاور بمن معه على التاج حتى استراحت خيولهم‏.‏

ثم إنه استحلف شيركوه ومن معه أنهم لا يغدرون به ولا يسلمونه ولا ينهزمون إلا عن غلبة‏.‏

ومع هذا فإن طوائف من العربان كانت تطارد عسكر ضرغام بأرض الطبالة وخرج أهل منية السيرج فقتلوا من الترك جماعة فمالوا عليهم وانتهبوا المنية وأذاقوا أهلها نكالاً شديدا‏.‏

وأقام شاور بمن معه في ناحية الخرقانية وشبرا دمنهور ثم سار من ناحية المقس يريد القاهرة فخرج إليه عسكر ضرغام وحملوا عليه فخاف من كان معه من الأمراء الذين كانوا مع همام أخي ضرغام ولحقوا بالقاهرة فانهزم هزيمة قبيحة‏.‏

فسر بذلك ضرغام وأحضر قاضي القضاة وأمره بحمل ما في مودع الحكم من مال الأيتام فحملها إليه‏.‏

وكان شاور لما انهزم سار إلى بركة الحبش وصار إلى الرصد فملك ما هنالك وأخذ مدينة مصر وأقام بها أياماً ولم يبق مع شاور وشيركوه من الأمراء الذين كانوا مع همام سوى شمس الخلافة محمد وأولاد سيف الملك الجمل وابن ناصر الدولة وأولاد حسن فقيد شيركوه ابن شمس الخلافة دون الناس كلهم‏.‏

وكره الناس من ضرغام أخذه أموال الأيتام مع ما سبق منه من قتل الأمراء وغيرهم وعلموا عجزه عن شاور‏.‏

وكان شاور يركب كل يوم في مصر ويؤمن أهلها ويمنع الأتراك من التعرض إليهم فمال الناس إليه‏.‏

وبلغهم عن ضرغام أنه يتوعدهم إذا ظفر بشاور أنه يحرق مصر على أهلها من أجل أنهم أمكنوا شاوراً من دخول البلد وباعوا عليه وعلى من معه‏.‏

فتحول شاور عن مصر ونزل اللوق وطارد خيل ضرغام وقد خلت المنصورة والهلالية وثبت أهل اليانسية فقاتل الناس قتالاً خفيفاً‏.‏

وصار شاور وشيركوه إلى باب سعادة وباب القنطرة من أبواب القاهرة وطرحوا النار في اللؤلؤة وما حولها من الدور‏.‏

وكانت وقعة عظيمة بين الفريقين قتل فيها من العسكرين خلق كثير‏.‏

فلما كان الليل اجتمع مقدموا الريحانية وفد فني منهم كثير وأرسلوا إلى شاور يطلبون الأمان وكان قبل ذلك يبعث إليهم ويستميلهم فأمنهم‏.‏

ولما رأى الخليفة العاضد انحلال أمر ضرغام بعث يأمر الرماة بالكف عن الرمي فخرج الرجال إلى شاور في الصباح فسر بهم‏.‏

وفترت همة أهل القاهرة وأعمل كل منهم الحيلة في الخروج وخرج ضرغام ومعه جماعة إلى خارج القاهرة وجعلوا يترددون من باب إلى باب وفيهم ابن ملهم وابن فرج الله وصارم بن أبي الخليل وجماعة مذكورون فكانوا يطاردون من طاردهم‏.‏

وأمر ضرغام بضرب البوقات والطبل على الأسوار ليجتمع الناس فلم يخرج إليه أحد وانفل الناس عنه‏.‏

فعاد إلى القاهرة وصار إلى باب الرحبة من أبواب النصر ولم يبق معه سوى خمسمائة فارس فوقف وطلب الخليفة أن يشرف عليهم من الطاق‏.‏

فبلغ ذلك شاوراً فسرح في الحال ابنه سليمان الطاري إلى باب القنطرة ليملكه ويقف‏.‏

فلما طال وقوف ضرغام نادى‏:‏ أريد أمير المؤمنين يكلمني لأسأله عما أفعل‏.‏

فلم يجبه أحد‏.‏

فصاح‏:‏ يا مولانا كلمني يا مولانا أرني وجهك الكريم يا مولانا بحرمة أجدادك على الله وهو يبكي فلم يجبه أحد‏.‏

وقويت الشمس فصار إلى الظل حتى قرب الظهر فأمر بعض غلمانه أن يركض في قصبة القاهرة ويقول بصوت عال‏:‏ ما كانت إلا مكيدة على الرجال قد قتل الترك أصحاب شاور الريحانية‏.‏

فما هو إلا أن سمع الناس ذلك وكانوا قد صاروا إلى بيوتهم فأسرعوا إلى خيولهم وعادوا من كل جانب مثل السيل فرأوا ضرغاما على تلك الهيئة والطاق لم يفتح له والخليفة لم يكلمه فسقط في أيديهم وقالوا ارجعوا فهي كناية والغلبة لشاور ورجعوا من حيث أتوا‏.‏

فوقف ضرغام إلى العصر ولم يبق معه غير ثلاثين فارساً ووردت إليه رقعة فيها‏:‏ خذ لنفسك وانج بها‏.‏

فأيس من الظفر‏.‏

وبعث شاور إلى الخليفة العاضد يستأذنه في الدخول إلى القاهرة فأذن له‏.‏

فبعث شاور يأمر ابنه أن يدخل القاهرة وهو عند القنطرة فدخل وضربت أبواقه وكانت من أبواق الترك التي لم تعهد بمصر فما هو إلا أن علم به ضرغام فمر على وجهه إلى باب زويلة فتخطف الناس من معه وعطعطوا عليه ولعنوه‏.‏

فأدركه بعض الشاميين في غلمان شاور وطعنه فأرداه ونزل إليه واحتز رأسه بالقرب من مشهد السيدة نفيسة وذلك قريباً من الجسر الأعظم في يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة‏.‏

وفر ملهم إلى مسجد تبر فقتل هناك وترك مطروحاً وأتى برأسه إلى عند شاور‏.‏

وقتل ناصر الدين أخو ضرغام عند بركة الفيل وقتل فارس المسلمين‏.‏

وبقى جسد ضرغام ملقىً يومين ثم حمل إلى القرافة فدفن بها‏.‏

وكان من الاتفاق العجيب أن ابن شاور قتل في يوم الجمعة حادي عشري رمضان سنة ثمان وخمسين فقتل ضرغام يوم الجمعة ثامن عشري جمادى الآخرة سنة تسع وقتل مع ابن شاور حسان ابن عمته فقتل مع ضرغام‏.‏

‏.‏

وكانت وزارة شاور الأولى تسعة أشهر ووزارة ضرغام بعده تسعة أشهر‏.‏

وكان من أعيان الأمراء وأحلى الفرسان يجيد اللعب بالكرة والرمي بالسهام ويكتب كتابة ابن مقلة وينظم الموشحات الجيدة كريما عاقلا يحب العلماء والأدباء ويقربهم إلا أنه سريع الاستمالة يميل مع من يستميله ولا يكذب خبراً عن عدو بل يعاقب سريعاً‏.‏

أرى حنك الوزارة صار سيفاً يحد بحدّه صيد الرّقاب كأنّك رائد البلوى وإلاّ بشيرٌ بالمنيّة والمصاب فكان كما قال عمارة‏.‏

وأقام شاور وشيركوه بعد قتل ضرغام في مخيمهما بناحية المقس يومي السبت والأحد‏.‏

فلما كان يوم الاثنين طلع الوزارة في ثالث شهر رجب وخرج الكامل بن شاور من دار ملهم أخي ضرغام وكان معتقلاً بها وخرج معه القاضي الفاضل وكان معه في الاعتقال وقد تأكدت بينهما مودة فأدخله إلى أبيه ومدحه عنده وأثنى عليه فسماه حينئذ بالقاضي الفاضل وكان قبل ذلك ينعت بالقاضي الأسعد‏.‏

وفرح العاضد بدخول شاور‏.‏

ولما خلع عليه سار من القصر إلى باب زويلة وخرج منه إلى باب القنطرة فنزل بدار الوزارة‏.‏

وركب شيركوه إلى مصر ورآها وقصد الفقهاء مثل الكيزاني وابن حطيه واجتمع بالشيخ أبي عمرو بن مرزوق وأخبره كما أخبر ابن نجا أنه يملك الديار المصرية ويزيل هذه الدولة لكنه لا يملكها إلا بعد أن يرجع إلى الشام ويأتيها ثانيا ثم يرجع ويعود إليها ثالث مرة وحينئذ يملكها‏.‏

وسأله عن بيت المقدس فقال‏:‏ لا يكون فتحه على يدك وإنما يكون فتحه على يد بعض من في خدمتك من أقاربك‏.‏

وهكذا جرى فإن شيركوه لم يملك مصر إلا في مجيئه إلى القاهرة المرة الثالثة ولم يفتح بيت المقدس إلا على يد صلاح الدين يوسف بن أخي شيركوه‏.‏

وفي رابع رجب قرئ سجل شاور بالوزارة‏.‏

واستمر شيركوه في مخيمه ويخرج إليه في كل يوم عشرون طبقا من سائر الأطعمة ومائتا قنطار خبزاً ومائتا إردب شعيراً‏.‏

وأعد له العاضد ملبوساً وسريراً مرصعاً بالجوهر له قيمة عظيمة كان الآمر قد عمله وأمره بالدخول ليخلع عليه فامتنع‏.‏

وأرسل إلى شاور يقول‏:‏ قد طال مقامنا في الخيم وضجر العسكر من الحر والغبار ويستنجز منه ما وعد به السلطان نور الدين‏.‏

فأرسل إليه ثلاثين ألف دينار وقال‏:‏ ترحل الآن في أمن الله وحفظه‏.‏

فبعث يقول له‏:‏ إن الملك العادل نور الدين أوصاني عند انفصالي عنه إذا ملك شاور تكون مقيماً عنده ويكون لك ثلث مغل البلاد والثلث الآخر لشاور والعسكر والثلث الثالث لصاحب القصر يصرفه في مصالحه‏.‏

فأنكر شاور ذلك وقال‏:‏ إنما طلبت نجدة وإذا انقضى شغلي عادوا وقد سيرت إليكم نفقة فخذوها وانصرفوا وأنا أرضي نور الدين‏.‏

فقال شيركوه‏:‏ لا يمكنني مخالفة نور الدين ولا أنصرف إلا بإمضاء أمره‏.‏

فأخذ شاور عند ذلك يستعد لمحاربة شيركوه واستعد أيضا شيركوه وبعث بابن أخيه صلاح الدين بطائفة من الجيش يجمع الغلال والأتبان وغير ذلك ببلبيس‏.‏

فغلق شاور أبواب القاهرة وتغلب صلاح الدين على الحوف وبث خيله وحاز الأموال والغلال‏.‏

وتقدم إلى جزيرة قويسنا فخرج ثلاثة من الأستاذين بأمر الخليفة إلى استنفار الناس من الصعيد وثار ابن شاس والي جزيرة قويسنا على الترك وقاتلهم حتى هزمهم وغرق منهم جماعة‏.‏

فعاد صلاح الدين إلى عمه شيركوه فتجهز ونزل بحري التاج‏.‏

وأخرج شاور خيمه وضربها في أرض الطبالة‏.‏

فلما كان يوم الأربعاء الثالث والعشرون من شعبان التقى شاور وشيركوه في كوم الريش فانكسر شاور إلى باب القنطرة ونهبت خيمه وأسر أخوه صبح وجوهر المأموني ودخل القاهرة فرمى بحجر من باب القنطرة فدخل الكافوري مغشيا عليه‏.‏

وفي ذلك اليوم أحرق صف الخليج وكاد شيركوه أن يدخل القاهرة وبقي الحصار إلى يوم الخميس تاسع رمضان‏.‏

وورد الخبر إلى شاور بأن الفرنج قاربوا مدينة بلبيس يوم السبت حادي عشر رمضان فأقام عليها وشيركوه بها‏.‏

ولما كان في خامس عشر ذي الحجة تقرر الحال مع شيركوه على أن يدفع إليه شاور خمسين ألف دينار ورهائن على صبح أخي شاور وعاد إلى دمشق‏.‏

ورجع الفرنج‏.‏

وقدم شاور إلى القاهرة في سادس عشر ذي الحجة‏.‏

فكان مقامه على بلبيس نيفاً وتسعين يوماً‏.‏

وأخرج شاور العساكر والحشود مما يلي البستان الكبير خارج باب الفتوح وزحف شاور فخرج إليه شيركوه وحاربه فخرج أكثر عسكر شاور وغورت أعينهم ووقعت نشابة في عين الطاري ابن شاور اليمني فبقي معه النصل مدة إلى أن قلعت وخرج منها بكلفة‏.‏

فانهزم شاور ودخل القاهرة وأغلق أبوابها وحاصره شيركوه طول النهار‏.‏

فلما كان الليل أحرق من باب سعادة إلى ناحية اللؤلؤة كما فعل أولا واشتد الأمر وصار كل من يخرج من عسكر مصر يقتل‏.‏

فركب شاور وخرج ثم عاد وقد ازدحم الناس على السور لتنظر إلى الحرب فسقطت شرفة من شرفات السور على ابن شاور وغشى عليه ودخلوا به إلى الكافوري وقد أيس منه فجاء رئيس الأطباء وعصر في أذنه حصرما فأفاق‏.‏

وأتاه الشراب من عند الخليفة فشربه وركب إلى داره وقد ورم وجهه‏.‏

واشتد قتال شيركوه على باب القنطرة وأحرق وجه الخليج جميعه واحترقت الدور التي بجانبه من حارة زويلة‏.‏

وانضم إليه بنو كنانة وكثير من عسكر المصريين‏.‏

وبعث طائفة إلى حارة الريحانية وفتحوا ثغرة فكان هناك قتال شديد‏.‏

فجلس العاضد على باب الذهب وأمر بالخروج فتسارع الصبيان وغيرهم إلى الثغرة وقاتلوا الترك والكنانية حتى أوصلوهم إلى منازلهم وسدوا الثغرة‏.‏

وكان ضرغام عند قدوم شاور وشيركوه أرسل إلى الفرنج يستنجد بهم ويعدهم بزيادة القطيعة التي لهم فامتنع ملكهم وقال لا يأتي إلا بأمر الخليفة وأما من الوزراء فلا يقبل فلما تحقق شاور أنه لا قبل له بشيركوه كتب إلى مري ملك الفرنج بالساحل يستنجده ويخوفه من تمكن عسكر نور الدين من مصر ويقول له متى استقروا في البلاد قلعوك كما يريدون أن يفعلوا وضمن له مالاً وعلفاً ويقال إنه جعل له عن كل مرحلة يسيرها ألف دينار وسير إليه بذلك مع ظهير الدين بدران‏.‏

فسر الفرنج بذلك وطمعوا في ملك مصر‏.‏

وخرج مري من عسقلان بجموعه فقبض عن مسيره سبعة وعشرين ألف دينار‏.‏

فلما بلغ شيركوه ارتحل عن القاهرة إلى بلبيس وبها ما أعد له ابن أخيه من الغلال وغيرها وانضم معه الكنانية فخرج شاور في عسكر مصر فاجتمع بالفرنج وخيم على بلبيس وأحاط بها فكانوا يغادون القتال ويراوحونه ثلاثة أشهر‏.‏

وانقطعت الأخبار عن نور الدين وبلغه سير الفرنج إلى مصر‏.‏

وسار ملك القدس بجمع كثير ممن وصل لزيارة القدس مستعيناً بهم‏.‏

فبينا الفرنج في محاصرة شيركوه إذ ورد عليهم أخذ نور الدين لحارم ومسيره إلى بانياس فسقط في أيديهم وعولوا على الرجوع إلى بلادهم‏.‏

فراسلوا شيركوه في طلب الصلح وعوده إلى الشام وتسليم ما بيده إلى المصريين‏.‏

فأجاب إلى ذلك‏.‏

وندب شاور الأمير شمس الخلافة محمد ابن مختار إلى شيركوه فقرر معه الصلح على ثلاثين ألفاً فحملها إليه‏.‏

وكانت الأقوات قد قلت عنده وقتل من أصحابه جماعة‏.‏

وأبطأت نجدة نور الدين فلم يأته منه أحد‏.‏

وخرج من بلبيس أول ذي الحجة‏.‏

وممن قتل معه من أصحابه على بلبيس سيف الدين محمد بن برجوان صاحب صرخد بسهم أصابه فأنشد وهو يجود بنفسه‏:‏ يا مصر ما كنت في بالي ولا خلدي ولا خطرت بأوهامي وأفكاري لكن إذا قالت الأقدار كان لها قوىً تؤلف بين الماء والنّار وقتل من الكنانية عالم عظيم‏.‏

وحصل للفرنج من شاور أموال جمة فإنه كان يعطيهم عن كل يوم ألف دينار‏.‏

وأقام شيركوه بظاهر بلبيس ثلاثة أيام وسار إلى دمشق فدخلها يوم الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة‏.‏

فيها عزل شاور أبا القاسم هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل المعروف بالقاضي المفضل ضياء الدين بن كامل الصوري عن قضاء القضاة وولي مكانه القاضي الأعز أبا محمد الحسن بن علي بن سلامة المعروف بالعوريس‏.‏